ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

269

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

مشارقها ومغاربها فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السماوات والأرض تنفك عن حكمة وحكم وهي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السماوات ولذلك قال تعالى أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها فارجع ألان في النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعا وبصرا وعقلا وقدرة وعلما وروحا ويخلقوا فيها عظاما أو عروقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة على حائط تأنق ( 1 ) النقاش في تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر إليها كأنه إنسان عظيم يعجبك من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته وعظم في قلبك محله مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم والحائط وباليد والقدرة والعلم والإرادة وشئ من ذلك ليس من فعل النقاش ولا خلقه بل هو من خلق الله تعالى وإنما منتهى وفعله الجمع بين الصبغ والحائط على ترتيب مخصوص فيكثر تعجبك منه وتستعظمه وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها ( 2 ) وحسن أشكال أعضائها وزين ظاهرها وباطنها ورتب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة وخلق لها الظهر أساسا لبدنها والبطن لآلات غذائها والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين وركب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيأتها ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها ثم شق أذينة وأودعهما ماء مرا يحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها وحوطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركات ما يدب فيها ويطول

--> ( 1 ) تأنق في العمل عمله بالاتقان والحكمة . ( 2 ) الارجاء جمع الرجا بالمد والقصر مفتوح الراء بمعنى الناحية .